![]()
الكوفة وما أدراك مالكوفة.....
كانت الكوفة صحراء
واختار الصحابيان سلمان الفارسي وحذيفة اليماني، موقعها سنة 17 للجيش
الإسلامي أيام خلافة عمر بن الخطاب لذلك سميت (كوفة الجند)، أي مجمع
الجيش وبنيت سنة 22 بالآجر في عهد ولاية المغيرة بن شعبة على سبعة
محلات لكل قبيلة، واتخذها الإمام علي (عليه السَّلام) سنة 36 هـ بعد
معركة الجمل عاصمة للخلافة الإسلامية واتجهت إليها الأنظار من العالم
الإسلامي،
وهو من أشهر المساجد
(وكان أول من أسس في مدينة الكوفة مسجدها الجامع ودار الإمارة) وذلك
عام 17 هـ، وهو مربع الشكل تقريباً 110 سم.
ويتسع لأربعين ألف
مصلٍّ من المسلمين، يتوسط صحنه بقعة منخفضة ينزل إليها بسلم وتسمى
(السفينة)، والمشهور بين العامة وهي شهرة باطلة، إنها الموقع الذي صنعت
فيه سفينة نوح، أو رست فيه مع أن السفينة هي أرض المسجد الأولى، وقد طم
جميع مساحة المسجد ما عدا هذا الموضع لمعرفة العمق السابق.
قال الشيخ حرز الدين
في المراقد (2 - 308) ما نصه:
(صارت أرض المسجد
تنز ماء عند تحكم مجرى الفرات على مقربة منه، فطم السيد مهدي بحر
العلوم، المحاريب بالتراب الجديد الطاهر وبنى على أُسسه القديمة محاريب
كما هي الآن، وكما طم الغرف والأُسطوانات القديمة المزدانة بالأعمدة
الرخامية التي منها شاخص الزوال المنصوب، في مقام النبي (صلّى الله
عليه وآله) الأعلى في وسط المسجد وكان مدخل مقام النبي (صلّى الله عليه
وآله) القديم الأسفل في محوطة بيت نوح (عليه السَّلام) المعروف اليوم
بالسفينة).
وفي فضل المسجد رويت
أحاديث كثيرة:
عن الإمام الباقر
(عليه السَّلام): (صلاة في مسجد الكوفة، الفريضة تعدل حجة مقبولة
والتطوع فيه تعدل عمرة مقبولة).
وعن أبي جعفر (عليه
السَّلام): (مسجد كوفان روضة من رياض الجنة، صلّى فيه ألف نبي وسبعون).
وقال الإمام علي
(عليه السَّلام): النافلة في هذا المسجد تعدل عمرة مع النبي (صلّى الله
عليه وآله)، والفريضة تعدل حجة مع النبي (صلّى الله عليه وآله)، وقد
صلّى فيه ألف نبي ووصي.
وعن رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) لما أُسري به إلى السماء قال له جبرائيل: أتدري أين
أنت يا محمد؟ أنت الساعة مقابل مسجد كوفان، قال: فاستأذن لي أُصلي فيه
ركعتين، فنزل فصلّى فيه، وإن مقدمه كروضة من رياض الجنة وإن وسطه
وميمنته وميسرته كروضة من رياض الجنة وإن وسطه كروضة من رياض الجنة،
وإن مؤخره كروضة من رياض الجنة، والصلاة فيه فريضة تعدل بألف صلاة
والنافلة فيه بخمسمائة صلاة.
وإليك لمحة عن
المزارات والأعمال فيها:
1 -
مقام أمير المؤمنين (عليه السَّلام):
يحيط بالمسجد عدد كبير من الغرف أوسعها ما في القبلة وفيه المحراب الذي
كان يصلي فيه الإمام (عليه السَّلام) وفيها استشهد (عليه السَّلام) ومن
هنا سمي بالمقام لأنه (عليه السَّلام) كان يقيم صلاته فيه، وكان بجنب
المحراب باب يمر إلى قصر الإمارة التي لا تزال إطلاله ماثلة اليوم
وينتهي إلى بيت الإمام (عليه السَّلام) وهو قريب من دار الإمارة على
بعد 85 متراً ولا يزال البيت موجوداً وعليه قبة خضراء وهذا المحراب
يتعاهده المؤمنون بالتبرك، وقد قام سلطان البهرة أخيراً 1974م بنصب
شباك من الفضة والذهب عليه.
2 - من
أعمال المسجد:
صلاة ركعتين في وسط المسجد المعروف بمقام الرسول (صلّى الله عليه وآله)
لقضاء الحاجة تقرأ في الركعة الأولى: (قل هو الله) وفي الثانية: (قل يا
أيها الكافرون) وبعد الصَّلاة: (تسبيحة الزهراء عليها السَّلام)،
وتقول:
(اللَّهُمَّ أَنْتَ
السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ وَإِليْكَ يَعُودُ السَّلامُ وَدارُكَ
دَارُ السَّلامِ حَيّنا رَبَّنا مِنْكَ بالسَّلام، اللَّهُمَّ إِني
صَلّيْتُ هَذِهِ الصَّلاةُ إِبْتِغَاءَ رَحْمَتِكَ وَرضْوَانِكَ
وَمَغْفِرَتِكَ وَتَعْظيْماً لِمَسْجِدِكَ، اللَّهُمْ فَصَلِّ عَلى
مُحَمْدٍ وَآلِ مُحَمّد، وَارْفَعْها فِي عِليّين وَتَقَبّلها مِنّي يا
أَرْحَمَ الرّاحِمِيْنَ).
3 -
مرقد مسلم بن عقيل:
مسلم بن عقيل أول الشهداء، أرسله الحسين (عليه السَّلام) سفيراً له إلى
الكوفة، للتأكد من حقيقة الوضع الذي صورته رسائل الكوفة إليه، وأخذ
البيعة له فقتل وهاني بن عروة في يوم عرفة، وإليك لمحة عن حياته (عليه
السَّلام):
كتب أهل الكوفة إلى
الإمام الحسين يستدعونه لمقدمهم وكان فيما كتبوا:
(أما بعد فقد أخضر
الجناب وأينعت الثمار، فإذا قدمت فأقبل على جند لك مجنَّدة).
وقد أرسل الحسين
(عليه السَّلام) ابن عمه مسلماً سفيراً وأرسل كتاباً نصه:
(بسم الله الرحمن
الرحيم من الحسين بن علي إلى الملأ المؤمنين أما بعد فإن هانياً
وسعيداً قدما علي بكتبكم، وآخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي
قصصتم وذكرتم ومقالة جلكم، أنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن
يجمعنا بك على الحق والهدى، وإني باعث إليكم أخي وابن عمي، وثقتي من
أهل بيتي مسلم بن عقيل المفضل من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بما لكم
وأمركم ورأيكم، فإن كتب إليّ أنه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الفضل منكم
على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله...).
ولما وصل مسلم
الكوفة نزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي وتوافدت الشيعة عليه
وقرأ مسلم عليهم كتاب الحسين فبايعوه، حتى بلغوا مائة وخمسة وعشرين ألف
رجل فكتب مسلم إلى الحسين (عليه السَّلام):
(أما بعد فإن الرائد
لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجل الإقبال
حين يأتيك كتابي فإن الناس كلهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى
والسَّلام).
ومن جانب آخر دخل
ابن زياد متلبساً بلباس علوي حتى ظن الناس أنه الإمام الحسين، وحينما
دخل قصر الإمارة عرفوه ومن أعلى القصر هدّد الناس بجيوش الشام، وبث
أنواع الدعايات حتى تفرق الناس وفتش عن أصحاب مسلم، وكان ينتقل مسلم من
دار لدار حتى استقر في دار هاني بن عروة، وابن زياد طلب هاني وضربه
بالسوط حتى هشم أنفه وسجنه ولم يكن مع ابن زياد من شرطته سوى خمسين
رجلاً كما في الكامل لابن الأثير 3/271، ومروح الذهب 3 - 67.
ولكن دعاياتهم
القوية أثرت في أهل الكوفة، وتفرقوا عنه ولم يبقَ إلا ثلاثين رجلاً
ولما صار المغرب دخل مسلم المسجد للصلاة فما أن أكملها وإذا هم قد
تفرقوا وخرج مسلم، وهو الغريب عن البلد لا يعرف مصيره ولا مسيره وانتهى
إلى دار امرأة تسمى (طوعة) كانت تنتظر رجوع ولدها (بلال) فسلّم مسلم
عليها وطلب الماء فسقته وجلس، فقالت: يا عبد الله ألم تشرب الماء قال:
بلى، قالت: فاذهب إلى أهلك.
قالت له طوعة
ثلاثاً، فلم يبرح من مكانه.
قالت طوعة: يا سبحان
الله إني لا أُحل لك الجلوس على باب داري.
قال مسلم: ليس لي في
هذا المصر منزل، ولا عشيرة فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي أُكافئك بعد
اليوم، قالت: ما ذاك؟ قال: مسلم أنا مسلم بن عقيل، دعاني هؤلاء القوم
وغروني.
قالت طوعة: ادخل
فأدخلته بيتاً في دارها وعرضت عليه العشاء فلم يأكل، ولما جاء ابنها
رآها تكثر من الدخول في ذلك البيت سألها ولم تخبره ولما ألح عليها أخذت
عليه الأيمان وأخبرته ولكنه لما أصبح، ذهب إلى محمد بن الأشعث فأخبره
ومضيا إلى ابن زياد وأخبراه، فأرسل ابن زياد خمسين رجلاً للقبض عليه،
ولما سمع مسلم حوافر الخيل خرج من الدار وقاتلهم قتالاً شديداً فأمدّهم
ابن زياد برجال آخرين.
وكان مسلم يحارب -
كما يحكي عمرو بن زياد - مثل الأسد وكان يأخذ الرجل ويرمي به فوق البيت
وهو يقول:
أقسمت أن لا أقــتل
إلاّ حــرا وإن رأيت المــــــوت شــــيئاً نكرا
كــل امـرئ يـوماً
ملاقٍ شرا أو يخـــلـط البـــارد ســخناً مرا
وقتل منهم خلقاً
كثيراً وهم كانوا يصوبون إليه النبال ورضخ الحجارة والحطب بالنار من
البيوت حتى اثخن بالجراح وعجز عن القتال فأسند ظهره إلى حائط فتقدم
محمد بن الأشعث قائلاً:
(لك الأمان يا فتى
لا تقتل نفسك إنك لا تكذب ولا تخدع، ولا تغر إن القوم بنو عمك وليسوا
بقاتليك)، ولكنه لم يلتفت إلى وعودهم التي يعلم كذبها حتى حفروا حفيرة
في طريقه وغطوها بالحصير والتراب فوقع فيها.
مرقد الشريف:
مجاور لجدار مسجد
الكوفة من جهة الشرق، وكانت تعلو الشباك الذي يحيط القبر قبّة عالية
مغطاة بالكاشي من الخارج وقد جدد بناء الحرم أخيراً، حيث شرع في
التجديد، والتوسع عام 1965م، إذ وسع الرواق المحيط بالضريح كما تم
توسيع جوانبه الأخرى.
وقد تم زخرفة
الجدران الداخلية للحرم والقبة بالمرايا.
وقامت الأوقاف
بتوسيع الصحن الممتد بين ضريح مسلم بن عقيل وقبر هاني بن عروة، وبناء
أروقة فيه، وذلك عام 1960 م فتكون للمرقدين سوراً.
جاء في رحلة ثيبور
أنه علم من الكتابة التي كانت منقوشة على البناء المشيد فوق قبري مسلم
بن عقيل، وهاني بن عروة أن محمد بن محمود الرازي وأبا المحاسن ابن أحمد
الشيرازي هما اللذان شيداه سنة 681 هـ.
وذكر أن السيدة
عادلة خاتون بنت أحمد باشا ابن الحاج حسن باشا وزوجة الوالي سلمان باشا
شيدت جدر
جاء في (المراقد
2/309): (أرانا رئيس السدنة الشيخ طعمة الكوفي أنقاض شباك آخر لقبره
(عليه السَّلام) يعود تاريخ صنعه إلى سنة 1055 هـ، وكانت المرأة
الجليلة أُم آغا خان قد تبرعت به كما جاء على أحد جوانب الشباك)، انتهى
ملخصاً.
وجدد الحرم النواب
حافظ محمد عبد الحي خان في ربيع الأول 1232 هـ وجاء تاريخ فراغها في
أبيات شعر آخرها:
(هي باب حطة
فادخلوها سجداً). 1232هـ.
وقد أمر السيد
الحكيم، بصنع شباك للعباس، ومسلم والقاسم بن موسى بن جعفر ومقام الإمام
أمير المؤمنين في مسجد الكوفة.
وقد أرخ ذلك السيد
محمد جمال الهاشمي:
فالــدين
والإيــــمان فيه
تجسما
فـــيه بــياناً
للـعواطف محكما
وفي عام 1384 هـ قام
الحاج محمد رشاد مرزه بتجديد بناء المرقد والصحن.
وفي سنة 1387 هـ قام
الحاج محمد حسين رفيعي البهبهاني الكويتي، بتذهيب القبة بأمر السيد
الحكيم أيضاً، وقد أرخه السيد موسى بحر العلوم في قصيدة منها:
4 - المختار الثقفي:
خص الأميني (2 - 343) المختار بترجمة فريدة، ومما جاء فيها: (إن
المختار في الطليعة من رجالات الدين والهدى والإخلاص، وأن نهضته
الكريمة لم تكن إلا لإقامة العدل باستئصال الملحدين واجتياح الظلم
الأموي، وأنه يتهم، بالمذهب الكيساني وأن كل ما نبذوه به من قذائف
وطامات لا مقبل لها من مستوى الحق والصدق، ولذلك ترحم عليه الأئمة
الهداة سادتنا السجاد، والباقر، والصادق (عليهم السَّلام)، وبالغ في
الثناء عليه الإمام الباقر (عليه السَّلام)، ولم يزل مشكوراً عند أهل
البيت الطاهر هو وأعماله...)، وذكر إحدى وعشرين مصدراً أُلف في خصوص
أخبار المختار أولها: أخذ الثأر للوط بن يحيى الأزدي/157 هـ وآخرها
سبيك النظار للشيخ محمد علي الأوردوبادي وقال له قصيدة مطلعها:
ثورة المختار:
سجن المختار في قصر
الإمارة بأمر ابن زياد هو وجماعة منهم، ميثم التمار وجاء بريد الشام من
يزيد بن معاوية وفيه العفو عن المختار لشفاعة هناك من بعض أصهاره،
فأُفرج عنه وأمر بطلب ميثم، وكان يقول له ميثم في السجن: (إنك ستفلت
وتخرج ثائراً بدم الحسين (عليه السَّلام) فتقتل هذا الذي يريد أن
يقتلك).
قال أبو تمام في
ديوانه ص114.
والهـــــاشميون
استــــقلت عيرهم مـــــن كــــــربلاء بـــأوثق الأوتار
فشـــــــفاهم المـختار
منه ولم يكن في ديــــــنه المخـــــتار بــالمختار
حــــتى إذا انكشفت
سرائره اغتدوا منـــــــه بـــراء الســمع والأبصار
وأضاف الشيخ الأميني
قائلاً:
(وقد بلغ من إكبار
السلف له أن شيخنا الشهيد الأول ذكر في مزاره زيارة تخص به يزار بها،
وفيها الشهادة الصريحة لصلاحه ونصحه في الولاية، وإخلاصه في طاعته إليه
ومحبة الإمام زين العابدين، ورضا رسول الله وأمير المؤمنين (عليه
السَّلام)، وإنه بذل نفسه في رضا الأئمة، ونصرة العترة الطاهرة، والأخذ
بثأرهم والزيارة هذه توجد في كتاب (مراد المريد) وهو ترجمه مزار الشهيد
للشيخ علي بن الحسين الحائري، وصححها الشيخ نظام الدين الساوجي مؤلف
(نظام الأقوال)، ويظهر منها أن قبر المختار في ذلك العصر المتقدم كان
من جملة المزارات المشهورة عند الشيعة، وكانت عليه قبة معروفة كما في
رحلة ابن بطوطة 1/138).
وفي المراقد 2 - 7
(قبر الآخذ بالثأر المختار في الزاوية التي تشكل من قصر الإمارة ومسجد
الكوفة خارجاً وكان قبره في السابق معفياً عثر العالم الرباني السيد
محمد مهدي بحر العلوم الطباطبائي النجفي عند تتبعه عن آثار المسجد
ومحاريبه عليه.
ووجدوا على دكة قبره
صخرة منوهة باسمه ولقبه، وكان مدخل قبره في أوائل عصرنا من حجرة في
زاوية المسجد الشرقية الجنوبية وفي أواخر عصرنا تصدى لإظهاره وتشييده
الوجيه الحاج محسن بن الحاج عبود شلاش الخفاجي النجفي ودلالة من بعض
المؤرخين المنقبين من علماء النجف الأشرف، فأنشأ له حرماً واسعاً
وألحقه برواق وحرم مسلم بن عقيل (عليه السَّلام) جنوباً وجعل لقبره
شباكاً جديداً وسد باب الدهليز).
هاني بن عروة:
كان هاني شيخ مراد
وزعيمها، تركب معه أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، فإذا تلاها
أحلافها من كندة وغيرها، ركب في ثلاثين ألف دارع (مروج الذهب 3 - 69).
وفي الطبري: أن
هانياً قال: إن مسلماً نزل عليّ، وأنا لا أخرجه من داري، قال ابن زياد
- ألم يكن عندك لي يد في فعل أبي زياد بأبيك وحفظه من معاوية، قال
هاني: ولتكن عندي يد أخرى بأن تحفظ من نزل بي وأنا زعيم لك أن أخرجه من
المصر فضربه ابن زياد بسوطه وهشم أنفه، وأمر به إلى السجن، قال له ابن
زياد: إنما تعلم أن أبي قتل هذه الشيعة غير أبيك وأحسن صحبتك وكتب إلى
أمير الكوفة يوصيه بك أفكان جزائي أن خبأت في بيتك رجلاً ليقتلني (يعني
بذلك مسلم).
قال هاني: ما فعلت
فأخرج ابن زياد عبده معقل، فبهت هاني وقال لابن زياد إليك عندي بلاء
حسناً، وأنا أحب مكافأته به، قال ابن زياد: وما هو؟
قال هاني: تشخص إلى
أهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالهم، فإنه قد جاء من هو أحق منك،
ومن صاحبك.
قال ابن زياد: ادنوه
مني فأدنوه فضرب بيده بقضيب على وجهه ورأسه، وضرب هاني بيده على قائم
سيف شرطي من تلك الشرطة فجاذبه الرجل ومنعه السيف، وقيل إن هانياً حمل
عليه بالسيف وجرحه جرحاً منكراً فتكاثر عليه الرجال وأوثقوه كتافاً
(مروج الذهب 3 - 67).
وبلغ الخبر آل مذحج،
وهجموا على ابن مرجانة وصاحوا: قتل صاحبنا (يعني هانياً) فخافهم ابن
زياد وأمر بحبسه في بيت إلى جانب مجلسه وأخرج إليه شريح بن الحارث
القاضي، فصعد سطح القصر ونادى: (يا أيها الناس انصرفوا فما بلغكم من
قتل صاحبكم باطل وهو حي وأنا أشهد أنه مكرم عند الأمير لا يريد به
سوءاً وسيلحق بكم في غاية العز والاحترام ومشمولاً بالإحسان والإكرام)
فتفرق الناس.
وفي تاريخ 9/ذي
الحجة/60 هـ وفي نفس اليوم الذي قتل مسلم أخرج هاني بن عروة المرادي من
السجن وضربت عنقه في سوق الغنم، وأمر ابن زياد أن يجر جسده مع جسد مسلم
بن عقيل في أسواق الكوفة وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:
فـإن كنت لا تدرين
ما الموت فانظري إلى هاني في الســـــوق وابــــن عقيل
إلى بطل قد هشم
السيف أنفه وآخــر يــهوي مـن طمار قتيل
وقد بعث ابن زياد
برأسي مسلم وهاني إلى يزيد بن معاوية في الشام ثم أن مذحجاً استوهبوا
الجثة ودفنوهما عند قصر الإمارة عند حريم المسجد.
وفي المراقد
(2/359): (مرقده خلف مسجد الكوفة الأعظم محاذياً لزاوية المسجد الشرقية
الشمالية عامر مشيد له حرم وأروقة يزوره كل من يزور مرقد أول الشهداء
مسلم بن عقيل فوق حرمه قبة شاهقة البناء مزينة بالقاشي الأزرق).
كان من أصحاب الإمام
أمير المؤمنين (عليه السَّلام) قتله ابن زياد في 20/ذي الحجة/60 هـ
يبعد قبره عن مسجد الكوفة مسافة 30 متراً على طريق الكوفة، والنجف جدد
بناؤه حديثاً حيث أُقيم على القبر صندوق وشباك.
تعلوه قبة عالية
مكسوة من الخارج بالكاشي المنقوش ويحيط به رواق واسع وفي واجهة الضريح
طارمة كبيرة من الإسمنت المسلح ويقع وسط صحن كبير. وميثم حبسه ابن زياد
بعد شهادة مسلم وهاني مع المختار الثقفي بأيام ثم جاء بريد الشام من
يزيد وفيه العفو عن المختار لشفاعة بعض أصهاره، وأمر بصلب ميثم فصلبه
ابن زياد على الخشبة عند باب عمرو بن حريث وأخذ يحدث الناس بفضائل علي،
فقيل لابن زياد، قد فضحكم هذا العبد، قال ألجموه، فكان أول من أُلجم في
الإسلام فلما كان اليوم الثالث من صلبه طعن بالحربة فكبر ومات.
وكان علي (عليه
السَّلام): قال ذات يوم لميثم: إنك تؤخذ فتصلب وتطعن بحربة، فإذا جاء
اليوم الثالث ابتدر منخراك وفوك دماً فتخضب لحيتك، وتصلب على باب عمرو
بن حريث عاشر عشرة، وأنت أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة.
وعندما أرسل عليه
ابن زياد ليقتله كان يتردد إلى دكان له في سوق يبيع التمر فيه، وكان
ميثم إذا لقي عمرو بن حريث يقول له:
إني مجاورك فأحسن
جواري لأن داره كانت عند قصر الإمارة، فيقول له عمرو: أتريد أن تشتري
دار ابن مسعود أو دار إبراهيم الحكيم، وهو لا يعلم ما يريده؟
وفي المراقد (2 -
340): (مرقده بالكوفة غربي مسجد الكوفة... واليوم مرقده عامر مشيد عليه
قبة بيضاء متوسطة الحجم والارتفاع، في وسطه حرم).
وفي الهامش: (وقد
جدد بناءه المحسن الوجيه الحاج محمد رشاد مرزة النجفي)، عام 1968م -
1388 هـ، وقد أشاد له حرماً عليه قبة عالية البناء، مكسوة بالكاشي
الأزرق، حول مرقده أروقة للزائرين، كما أشاد أمام مرقده ساحة واسعة،
تناسب وبناء الحرم من الارتفاع وقد كتب في واجهتها أبيات أربعة بخط
بارز للسيد محمد الحسيني الحلي منها:
مسجد السهلة:
وهو مسجد قديم يقع
قريباً من الكوفة من الجهة الشمالية الغربية، ويبعد نحو 2 كم عن مسجد
الكوفة، وأُجريت عليه كثير من التعديلات وأشاد به الأئمة (عليهم
السَّلام).
قال الباقر (عليه
السَّلام): (مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبياً إلا وقد صلّى فيه، ومنه
يظهر عدل الله، وفيها يكون قائمة والقوام من بعده وهي منازل النبيين
والأوصياء والصالحين).
وعن الصادق (عليه
السَّلام): (أنه قال ما من مكروب يأتي مسجد السهلة فيصلّي فيه ركعتين
بين العشائين ويدعو الله إلا فرج الله كربه).
قال السجاد (عليه
السَّلام): (من صلّى في مسجد السهلة ركعتين، زاد الله في عمره سنتين).
قال الصادق (عليه
السَّلام): (إذا دخلت الكوفة، فأتِ مسجد السهلة فصلِّ فيه واسأل الله
حاجتك لدينك ودنياك فإن مسجد السهلة بيت إدريس النبي الذي كان يخيط فيه
ويصلي فيه، ومن دعا الله بما أحب قضى له حوائجه ورفعه يوم القيامة
مكاناً علياً إلى درجة إدريس وأُجير من مكروه الدنيا، ومكائد أعدائه).
وأيضاً قال (عليه
السَّلام): (ما من مكروب يأتي مسجد السهلة، فيصلي فيه ركعتين بين
العشائين ويدعو الله إلا فرج الله كربه).
وقال الصادق (عليه
السَّلام) أيضاً: (نحن نسميه مسجد البري.. فإنه لم يأته مكروب إلا فرج
الله كربته، أو قال قضى حاجته).
ومن أعمال هذا
المسجد يؤتى بها ليلة الأربعاء بعد صلاة المغرب لقضاء الحاجة ركعتان
يقرأ بعدها هذا الدعاء:
(أنت الله لا إله
إلا أنت مبدئ الخلق ومعيدهم، وأنت الله لا إله إلا أنت خالق الخلق
ورازقهم، وأنت الله لا إله إلا أنت القابض الباسط، وأنت الله لا إله
إلا أنت مدبر الأمور، وباعث من في القبور، أنت وارث الأرض ومن عليها،
أسألك باسمك المخزون المكنون الحي القيوم، وأنت الله لا إله إلا أنت
عالم السر وأخفى، أسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به
أعطيت، وأسألك بحقك على محمد وأهل بيته، وبحقهم الذي أوجبته على نفسك
أن تصلي على محمد وأهل بيته، وأن تقضي لي حاجتي الساعة الساعة يا سامع
الدعاء، يا سيداه، يا مولاه، يا غياثاه، أسألك بكل اسم سميت به نفسك،
أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تصلّي على محمد وآل محمد، وأن
تعجّل فرجنا الساعة يا مقلب القلوب والأبصار يا سميع الدعاء).
من المساجد القديمة
في جوار مسجد السهلة، مسجدان لزيد، وصعصعة بن صوحان، صاحبي أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السَّلام). وقد أُجريت عليهما عدة
إصلاحات بعد أن انطمست آثارهما. وينبغي الصَّلاة فيهما والدعاء وخاصة
ما كان يدعو به صعصعة في صلاة الليل فإنهما من أجلاء الصحابة.
(أما) صعصعة فقد
كانت له مع معاوية مواقف جريئة نفاه المغيرة بن شعبة بأمر معاوية من
الكوفة. ففي (الإصابة 3/200) نفى المغيرة بأمر معاوية صعصعة من الكوفة
إلى الجزيرة أو إلى البحرين أو إلى جزيرة ابن كافان ومات بها.
وفي الاستيعاب كان
صعصعة بن صوحان مسلماً، على عهد رسول الله، ولم يلقه لصغره وكان فاضلاً
ديناً لسناً خطيباً بليغاً يعد من أصحاب علي. وفي الكشي: لما قدم
معاوية الكوفة دخل عليه رجال من أصحاب علي وكان الحسن بن علي (عليه
السَّلام) قد أخذ الأمان لرجال منهم مسمين بأسمائهم، وأسماء آبائهم
منهم صعصعة بن صوحان فلما دخل عليه صعصعة قال معاوية: أما والله إني
كنت لأبغض أن تدخل في أماني.
فقال صعصعة: وأنا
والله أبغض أن أُسميك بهذا الاسم، ثم سلم عليه.
قال معاوية: إن كنت
صادقاً فاصعد المنبر والعن علياً فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه، ثم
قال: (أيها الناس أتيتكم من عند رجل قدم شره وأخّر خيره وإنه أمرني أن
ألعن علياً، فالعنوه لعنة الله) فضج أهل المسجد بآمين.
قال معاوية: لا
والله ما عنيت غيري ارجع حتى تسميه باسمه فرجع فصعد المنبر، ثم قال:
أيها الناس إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب فالعنوه
فضجوا بآمين. فقال معاوية: لا والله ما عنى غيري، أخرجوه لا يساكنني في
بلد، فأخرجوه.
وكان صعصعة (ره):
شديداً على الحق ومقارعة الظلم والظالمين ومن أخباره مع الإمام لما مرض
فعاده أمير المؤمنين (عليه السَّلام) وقال له:
(لا تتخذن زيارتنا
إياك فخراً على قومك).
فأجابه: لا يا أمير
المؤمنين ولكن ذخراً وأجراً، فقال له أمير المؤمنين: (والله ما كنت إلا
ضعيف المؤنة كثير المعونة).
فقال صعصعة: (وأنت
والله يا أمير المؤمنين ما علمتك إلا أنك بالله لعليم، وإن الله في
عينك لعظيم، وإنك في كتاب الله لعلي حكيم، وإنك بالمؤمنين رؤوف رحيم).
جاء في تهذيب
الكمال: (شهد صعصعة مع أمير المؤمنين صفين وأمره على بعض الكراديس،
وإنه كان من أصحاب الخطط بالكوفة، ومن أصحاب علي وشهد معه وقعة الجمل،
هو وأخواه زيد وسبحان، وكان سبحان هو الخطيب قبل صعصعة، وكانت الراية
يوم الجمل بيده، فقتل وأخذها زيد وقتل وأخذها صعصعة وتوفى بالكوفة في
أيام معاوية، وكان ثقة قليل الحديث.
وفي المراقد 1 - 40:
(المعروف أن قبره في ظهر الكوفة بالثوية، وحدثنا بعض البحرانيين: إن
عندنا قبراً مشيداً مشهوراً معروفاً لصعصعة بن صوحان يقع في جزيرة عسكر
والقبر مجلل محترم عند عامة المسلمين، لما يشاهدونه من الكرامات وأن
الشيعة والسنة يتعاهدونه بالزيارة).
ملاحظة: هذه جولة
عابرة عن مساجد الكوفة ومزاراتها وفيها أماكن أُخرى ينبغي الاحتراز
عنها، وقد نقل العلامة المجلسي في البحار (100/439) قائلاً: روى الطوسي
في الأمالي 171 عن علي (عليه السَّلام) (إن بالكوفة مساجد مباركة
ومساجد ملعونة).
وذكر من المساجد
الملعونة مسجداً بالحمراء بني على قبر فرعون من الفراعنة، قال المجلسي:
(والظاهر أن مسجد الحمراء هو المعروف الآن بمسجد يونس وقبره (عليه
السَّلام) ولم نجد في خبر كونه (عليه السَّلام) مدفوناً هناك). |