منهاج المؤمنين في
محاسبة النفس
هناك مملكتان في نفس الإنسان, مملكة العقل مملكة
الجهل, ولكل من المملكتين جنود تعزز وجودها في شخصية
الإنسان, فأي من المملكتين كان له من الجند عدد اكثر
في النفس غلبت تلك المملكة على تكوين شخصية الإنسان.
فإذا صارت جنود العقل اكثر من جنود الجهل في النفس
غلبت مملكة العقل على مملكة الجهل بنسبة ما غلبت عليه
من جنود وصار الإنسان عاقلا في تدبيره, ناجحا في
حياته, لبيبا في تصرفه, محترما في مجتمعه, مرموقا بين
الناس, موفقها في مشاريعه, مسددا فيما يفعل أو يقول,
أما إذا صارت جنود الجهل في النفس اكثر من نضيرتها في
مملكة العقل غلبت مملكة الجهل في نفس الإنسان على
مملكة العقل وصار صاحبها جاهلا في تدبيره, فاشلا في
حياته, عجولا في تصرفه, غير موفق في مشاريعه. لذلك وجب
على الإنسان العاقل أن يراعي تعزيز نسبة وجود جنود
العقل في نفسه, الأمر الذي يستوجب منه أن يحاسب نفسه
يوميا ويراقب افعاله وتصرفات ويحصي عدد التصرفات
العقلائية المقبوله والمرضيّة عند الله, مكللة بأفعال
الخير, ويقارنها بتلك التي تأتمر بأمر وزير الشر, ثم
يعم على تلافي والتخلص من نسبة جنود الجهل في النفس
خلال يومه القادم, وهكذا هكذا إذا ما دأب الإنسان
وواضب على محاسبة نفسه وتطهيرها من تلوث الصفات
المرتبطة بتركيز عوامل الشر والمعروفة ب(جنود الجهل)
يتمكن عندها من صياغة شخصيته ناجحة صياغة سليمة, وقد
أكد الله تَعالى على محاسبة النفس وتطهيرها بقوله :
(يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ
لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ
بِمَا تَعْمَلُونَ)
وقال
رسول الله صَلَّى الله عَلَيةِ وَآلِهِ وَسَلَّمَِّ:
(حاسبوا
انفسكم قبل أن تُحاسّبوا, وزِنوها قبل أن تُوزنوا,
وتجهزوا للعرض الأكبر)
وقال الإمام الصادق عليه السلام:
(ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم فإن عمل حُسنا
استزاد الله, وأن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه) من
هنا رينا أن نضع بين أيدي الأخوة المؤمنين هذا المنهاج
لمحاسبة النفس محاسبة يومية ليرى ما يجب عمله في تقوية
الملكات الطيبة في النفس وذلك من خلال التتلمذ على
الحديث المروي عن حفيد الرسول الأكرم الإمام الصادق
صلوات الله عليهما وعلى آلهما.
حيث روي عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ انه قَالَ:
كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام
وعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوَالِيهِ فَجَرَى ذِكْرُ
الْعَقْلِ والْجَهْلِ فَقَالَ أَبُوعَبْدِ الله عليه
السلام: اعْرِفُوا الْعَقْلَ وجُنْدَهُ والْجَهْلَ
وجُنْدَهُ تَهْتَدُوا .
قَالَ سَمَاعَةُ فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ لا
نَعْرِفُ إِلا مَا عَرَّفْتَنَا .
فَقَالَ أَبُوعَبْدِ الله عليه السلام: إِنَّ الله
عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الْعَقْلَ وهُوأَوَّلُ خَلْقٍ
مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ
نُورِهِ فَقَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ
لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ فَقَالَ الله تَبَارَكَ
وتَعَالَى خَلَقْتُكَ خَلْقاً عَظِيماً وكَرَّمْتُكَ
عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي قَالَ ثُمَّ خَلَقَ الْجَهْلَ
مِنَ الْبَحْرِ الاجَاجِ ظُلْمَانِيّاً فَقَالَ لَهُ
أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَلَمْ
يُقْبِلْ فَقَالَ لَهُ اسْتَكْبَرْتَ فَلَعَنَهُ ثُمَّ
جَعَلَ لِلْعَقْلِ خَمْسَةً وسَبْعِينَ جُنْداً
فَلَمَّا رَأَى الْجَهْلُ مَا أَكْرَمَ الله بِهِ
الْعَقْلَ ومَا أَعْطَاهُ أَضْمَرَ لَهُ الْعَدَاوَةَ
فَقَالَ الْجَهْلُ يَا رَبِّ هَذَا خَلْقٌ مِثْلِي
خَلَقْتَهُ وكَرَّمْتَهُ وقَوَّيْتَهُ وأَنَا ضِدُّهُ
ولا قُوَّةَ لِي بِهِ فَأَعْطِنِي مِنَ الْجُنْدِ
مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ فَقَالَ نَعَمْ فَإِنْ
عَصَيْتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجْتُكَ وجُنْدَكَ مِنْ
رَحْمَتِي قَالَ قَدْ رَضِيتُ فَأَعْطَاهُ خَمْسَةً
وسَبْعِينَ جُنْداً فَكَانَ مِمَّا أَعْطَى الْعَقْلَ
مِنَ الْخَمْسَةِ والسَّبْعِينَ الْجُنْدَ: